(الذاكرة الوجدانية وسبب خسارة منتخب مصر)
ليست كل خسارة تُفهم من لوحة النتيجة، فبعض المباريات تُهزم في الداخل قبل أن تُحسم في الملعب.
في مباراة مصر والأرجنتين، حين كان المنتخب المصري متقدمًا 2-0، بدا أن الطريق ممهدًا نحو انتصار كبير، لكن الدقائق الأخيرة كشفت أن الضغط النفسي قد يكون منافسًا أشد من الخصم نفسه.
وهنا تتجلى فكرة الذاكرات الثلاث: الذاكرة المعرفية، والذاكرة الحركية، والذاكرة الوجدانية.
فالذاكرة المعرفية تحفظ الخطط، وتحلل المواقف، وتختار القرار المناسب.
أما الذاكرة الحركية فتحفظ المهارة؛ كالتمرير، والتسديد، والحركة، والاستجابة السريعة، حتى تُؤدى تلقائيًا دون حاجة إلى تفكير طويل.
بينما تحفظ الذاكرة الوجدانية المشاعر المصاحبة للمواقف؛ فهي التي تجعل الإنسان يستقبل الضغط بثقة، أو يستقبله بخوف وارتباك.
حين سجلت الأرجنتين هدفها الأول، لم يكن الهدف مجرد رقم في النتيجة، بل ربما أيقظ لدى بعض اللاعبين مشاعر الخوف من ضياع التقدم. وفي مثل هذه اللحظات قد تعرف الذاكرة المعرفية ما يجب فعله، وتكون الذاكرة الحركية قادرة على تنفيذه، لكن إذا اضطربت الذاكرة الوجدانية فإنها تربك الأداء الحركي، فيتردد اللاعب، ويتأخر قراره، وتفقد العضلات انسيابيتها، فلا يعود ما تختزنه الذاكرة المعرفية قادرًا على الظهور بالصورة التي تدرب عليها اللاعب.
وخسارة مصر لا يمكن اختزالها في سبب واحد، لكنها تذكرنا بأن الأداء الإنساني لا تحكمه المهارة وحدها، بل تحكمه أيضًا المشاعر التي ترافق تلك المهارة.
ومن هنا تبدأ القضية الأهم: تدريب القلب.
تُنسب إلى أرسطو مقولة: «تربية العقل دون تربية القلب ليست تربية على الإطلاق.» وسواء ثبتت نسبتها أم لا، فإن معناها يلامس حقيقة يلاحظها كل معلم ومدرب؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى طمأنينة وثقة أثناء الأداء.
وليس المقصود بالقلب العضلة التي تضخ الدم، وإنما القلب بوصفه موطن المشاعر؛ حيث يولد الخوف، وتنشأ الطمأنينة، وتتكون الثقة، ويتشكل الإقدام. فالإنسان لا يتصرف دائمًا وفق ما يعرف، بل كثيرًا ما يتصرف وفق ما يشعر.
ولهذا نجد أشخاصًا يتقنون السباحة في التدريب، لكنهم يتجمدون عندما يسبحون في البحر لأول مرة، ليس لأنهم نسوا المهارة، بل لأن الذاكرة الوجدانية ربطت الموقف بالخوف.
ونجد متحدثًا يحفظ محاضرته كاملة، ثم يقف أمام الجمهور فلا يستطيع أن يبدأ، ليس لأن الذاكرة المعرفية خانته، بل لأن الذاكرة الوجدانية استحضرت رهبة الموقف فأربكت ذاكرته الحركية، فخرج الأداء أقل بكثير مما يملكه من قدرة.
ونرى مقاتلًا يتقن الحركات في النادي، ثم يتراجع أداؤه عند أول مواجهة حقيقية، لأن قلبه لم يتدرب بعد على استقبال الضغط، رغم أن عقله يعرف، وعضلاته تحفظ.
وللأسف، يركز كثير من المعلمين، والمدربين، وحتى الآباء، على تلقين المعلومات، وتصحيح الأخطاء، وتكرار المهارات، لكنهم يغفلون عن صناعة المشاعر التي ترافق عملية التعلم.
ولهذا كان لا بد من مل الذاكرة الوجدانية من خلال تدريب مقصود؛ ليس داخل بيئات مثالية وآمنة فقط، بل من خلال التعرض التدريجي لمواقف حقيقية، يتعلم فيها الإنسان تقبل الفشل، والنهوض بعد السقوط، ومواجهة الضغوط بثبات.
فالمواقف الحقيقية هي التي تدرب القلب على أن يبقى هادئًا رغم ارتفاع الضغط، وعندما يطمئن القلب، تستطيع الذاكرة الحركية أن تنفذ المهارة كما تدربت عليها، ويستطيع العقل أن يستحضر المعرفة في الوقت المناسب.
فالإنسان في لحظة الحسم لا يستدعي ما تعلمه فقط، بل يستدعي أيضًا ما شعر به عندما تعلم.
إن بناء الإنسان يبدأ بالذاكرة المعرفية، ويُصقل بالذاكرة الحركية، لكنه لا يكتمل إلا باستقرار الذاكرة الوجدانية؛ فهي الجسر الخفي بين المعرفة والأداء، وبين القدرة والإنجاز، وبين التدريب والانتصار.
معادلة إتقان المهارة:
ذاكرة معرفية + ذاكرة حركية + ذاكرة وجدانية = أداء ثابت تحت الضغط.
نموذج الذاكرات الثلاث
بدر عياد الحربي
الأربعاء 23-1-1448هـ

مقال رائع جداً ، يستحق القراءة أكثر من مرة
ردحذف